عن الوعي.

تفكيرك كبير، أكبر من بلادة هذا العالم وبرودته، وهذا شيءٌ جميل وخطير في آن.
كيف يمكن للإنسان أن يكون بهذا القدر من الوعي؟ والوعي خطر على الإنسان.
فهو يدفعه إلى العزلة، والعزلة فقط، ما أن يأتي الوعي حتى تتكشَّف حقيقة هذا العالم البائس.
تفكيرك كبير، أكبر من الغشاوة التي تغطي هذا العالم اللزج.
لم أكن أريد أن أكون بهذا القدر من الرعب، غير أن الحقيقة لا مفر منها.
الوعي كلمة مرعبة إذا ما أخذناها بكامل دلالاتها الإجتماعية والشخصية/السلوكية/الفكرية.
كيف يمكن للوعي أن يعيد ترتيب الأشياء، أن تعيد الأشياء ترتيبنا؟
ولأنني أرى الأفكار تتشابه- وهذا جيّد عمومًا - أرى أنه من الضروري أن أخبر بخطورة الوعي.
لا لشيء، إلا لكي لا نفقد الرغبة في الاستمرار، لأن الوعي الحاد بالعالم خطير، يجعلنا نكتفي بنا غير آبهين بشيء
وهذا قد يجعل الآخرين يصفوننا بالبرود والتبلد وأشياء أخرى.
وهذا ليس مهمًّا بقدر أهمية وعينا بالدوافع، بالسايكولوجية الفردية.
لهذا قلت أن تفكيرك أكبر من بلادة هذا العالم، وهي رسالة لك بأن استمر أكثر، وأكثر.
عن ماذا؟
وما الوعي إذا ما أردنا تعريفه؟ مضحك أن يكون: مقدار الألم الذي يستطيع الإنسان تحديده.
وسخر من ذلك محمود درويش عندما قال: “ومن حسن حظي أني أنام وحيدًا، فأصغي إلى جسدي، وأصدّق موهبتي في اكتشاف الألم، فأنادي الطبيب قبيل الوفاة بعشر دقائق، عشر دقائق تكفي لأحيا مصادفةً وأخيّب ظنَّ العدم، من أنا لأخيّب ظنَّ العدم؟!”
وماذا يعني هذا الاقتباس؟ درويش ذكر هنا كلمات مرعبة، وهل هذا مقصود؟
درويش أورد في هذا المقطع: الحظ، الوحدة، الجسد، الألم والموهبة، الوفاة، المصادفة، الخيبة، والعدم!
وهذه ليست صدفة، بل عن قصد ووعي أيضًا، وهذا يعيدنا إلى السؤال الأوَّل: ما الوعي؟
ولا إجابة محددة في رأيي، ماذا عنك؟
وعن سخرية، أقول لك أن الوعي هو إدراك مدى غباء الآخرين في اكتشاف ذكائهم الخاص.
لكن الوعي أكبر من ذلك وأعمق.
بدأت أخاف علي، إنَّ بعض الكلمات مؤذية، مؤذية جدًا.
كالتعاريف الأولى للأشياء، كعلاقاتنا الأولى بالأشياء.
وإن تعريف الوعي الذي يعلق برأسك/قلبك قد يؤذيك لمدة طويلة، وهذا يوجعني على سبيل الصراحة.
لأنني لا أكتب هذا الكلام للإيذاء وأعرف ذلك، ولكنني وجدت هنا مساحة جيّدة للكلام مع عقل.. حسنًا، يعي كثيرًا.
عن الوعي؟ الوعي بماذا؟
الوعي هو أن نعرف تمامًا أن العالم الأبله يمدُّ لسانه في كلِّ مرة نتألم، ومع ذلك نصرّ وبغباء: العالم محايد.
الله وحده محايد، وعادل، باقي الأشياء لا يمكن أن تكون حيادية، حتى نحن.. والوعي بذلك مخيف.. مخيف جدًا.
علاقاتنا الأولى بالأشياء تلتقي كليًّا بذكرى تخلّصنا من الأشياء التي تعرّفنا عليها مبكرًا، مبادئ قديمة، حذاء قديم، تي شيرت مهترئ!
تلك رموز لمرحلة، رأى الوعي فينا أننا تجاوزناها بطريقةٍ ما، ولهذا يكرّس فينا التخلّص منها لأن ذلك يعيق تقدّمنا الواعي.
إن الوعي لعين، يسيطر حتى على أبسط الأشياء، حتى على طريقتك في إعداد القهوة، وإختيار أغنية الصباح.
الوعي لا يعني فهم المرحلة، ولا ملاعق السكر ولون القميص والحذاء،
الوعي أبعد، ولكنه يشمل ذلك، ولهذا هو يتحكم بكل شيء، بكل شيء تمامًا وكليًّا.
وماذا أيضًا؟
ليس في العمر متسع لفهم الوعي كما يجب، لأن الوعي نفسه لا يريد ذلك، لا لأنَّ عقولنا قاصرة عن ذلك
بل لأنَّ حكمةً ما تجعل الوعي خيطًا وتجعلنا دمى!
وهذا إذا ما أردنا تحديد تأثير الوعي علينا مذ بدأ نسج الخيوط إلى تقطّعها وسقوطنا حينئذ.
ولكن، أليس من المضحك أن نعتبر الوعي كلمة؟
في الحقيقة، أتمنى أن يكون الوعي مجرد كلمة، كلمة نتجاوزها ولا نكرر استخدامها في العبارات.
ولكنَّ ذلك غير قابل للتحقيق، لا يمكن أن يُحصر الوعي في كلمة.
لا يمكن أن  نحصر شيء كبير يقوم هو بدروه بمحاصرتنا في كلمة!
أعتقد, أن اعتبار الوعي شيء ذو رائحة مخيفة تعبير جيّد نسبيًا رغم الرعب الكامن فيه.
ولكننا وحتى الآن نراوغ الحقيقة, نحن اعترفنا أن الوعي يتحكم بكل شيء, يسيطر على كل شيء, باعتبار الكرة الأرضية شيء قابل للركل, كرة منسوجة, دمية أخرى مثلنا مربوطة بالوعي!
ومشكلتي تكمن في التعاريف, والمصطلحات واستخداماتها, وهذه تبدو مشكلة مشتركة.
يقلقني أن الناس لا تنتبه لأشياء دقيقة كهذا, ويقلقني الوعي بها.
أحيانًا أقول: ليتني ما قرأت, وما كتبت, وما كنت حتى فهمت شيئًا, سأبدو مهرجًا أو شخصًا أبلهًا يسير بين العامة ولا فرق.
ولكنني أقول وبملئ الوعي الحاد الذي يصرخ بداخلي: تبًا! 
وللوعي فوائد أخرى تجعلنا ننظر لغباء الآخرين بشكل مغاير لما يراه الآخرين فينا من غباء وتبلّد.
يبدو حتى للغباء شعور جيّد, والفوضى تصبح خلّاقة وحميمية.
الوعي لا يتحكم بهذه الأشياء فقط, بل أكثر, وأعمق.
إنني أراوغ, وأخفي رعبي بهذه الكلمات, لا لشيء
إلا أن هذه هي طريقتي في تجنب الصراخ, ولأنني أفشل دومًا في الرسالة المباشرة
والكتابة عن الوعي مخيفة, كالكتابة عن رحيل أحدهم.
مخاوفنا تبدو متلاصقة, لكن ربما اختلفت طريقة التعاطي معها.
هل هناك متّسعٌ للمزيد؟
لا بأس علي, أحيانًا لا نعرف كيف لا نقول ما نشعر به وتلك ليست مشكلة حقيقية.
لا يوجد سبب للإعتذار عن شيء, والرؤية للأمور مهمة ولا تستوجب الإعتذار, إذ قد تساعدنا في فهم/حل شيء ما.
وعلى ذكر الأشياء, والوعي شيء مرتبط بالأشياء, ومنفصل عنها أيضًا, وهذه من سخريات الوعي.
الوعي مصير حتمي, واجب يومي, سرمدي وملاصق.
أحيانًا أشعر بالوعي وكأنه شيء لزج يمشي في أعصاب المخ ببطئ ولعانة!
يضايقني, ويجعلني أرى الأمور بطريقة أخرى, بطريقة أدق ومتعبة أكثر.
وهذا ما يتعبني مع الآخرين والغباء, والغباء موجود بالضرورة, الآخرون ليسوا كذلك.
وهذه نقطة مخيفة أخرى, إلا في حال انتفت حاجتنا للآخرين بشكلٍ ما.
كيف لنا أن نزيل هذه المخاوف/الأفكار من رؤوسنا؟ وببساطة: لا يمكننا ذلك.
إذ أن هناك أشياء تعيش وتتغذى على خوفنا, على أفكارنا, على رؤيتنا للأشياء/ الأفكار.
الوعي يتغذى علينا, على عقولنا وأعيننا ومشاعرنا.
عندما استيقظت من النوم, نظرت إلى الساعة
وبعد يوم عمل آتٍ بعد سهر, توقعت أنني نمت كثيرًا وجيّدًا, ولكن العكس حدث.
لم أفكر بالأمر بطريقة: حسنًا, سأعوّض ذلك.
لا, الوعي لا يجعلني أفكر هكذا ببساطة, يجعلني أفكر كيف أن صحتي تتلاشى تدريجيًا نتيجة قلة نومي وأدويتي الكثيرة.
يجعلني أرى الأمور بمكبر, بتفحص, بتدقيق, وهذا أحيانًا مفيد, ولكنه على حساب صحتي.
يمكن تجاوز هذه القصة, ويمكن فهم منها شيء ما, لا أعلم.
المهم في الشيء/الأشياء أنني أريد فهم الأمور والأفكار أكثر
لا أن أختبئ وراء المصطلحات والأفكار والعبارات, بل أتجاوزها وأفهم ما خلفها
هذه طريقتي في مواجهة الوعي
الوعي ينمو مع الجهل بالمناسبة, فإذا زاد جهلك تغلغل الوعي فيك وقضى عليك
لكنك بالبحث والفهم ومحاولة التصدي ومواجهة هذه الأفكار المتربصة بنا والسفر إلى ما خلفها, تضايق الوعي, تحاصره.
ولكي أجعل الأمور أكثر رعبًا, لربما كان الوعي يخاف منا حين نبحث, حين نحاول تقطيع الحبال.
لكننا نخاف إذا سقطنا وما سألنا: أين سنسقط؟
لربما كانت أرضًا خضراء وجميلة, من يعلم؟ 
أعتقد أن الطريقة المثالية للموت هي اكتشاف متأخر, بأنّه كان علينا أن نعيش بشكل مختلف.
ولكن المشكلة تكمن في هذا “المختلف” كيف يكون؟ 
وهذه ليست مشكلة جديدة, إنها قديمة وعميقة عمق التاريخ.
أخاف عندما أعرف أنني أزيد من مقدار هذا الرعب والتفكير في الأشياء المرعبة,
ولكنني لا أأسف على ذلك, ولست نادمًا أبدًا
لأنني أعتقد أننا -ولا أستطيع ذلك وحدي- نستطيع أن نساعد في التخلص من هذا الرعب وهذه الأفكار.
الموت المبكر لا علاقة له بالأشياء التي تتغذى وتعيش على خوفنا وأفكارنا وأحزاننا.
إنها تتغذى علينا بمقدار يضمن لنا أن لا نموت ويضمن لها الحياة فينا أكثر.
إنها تعتمد مبدأ متوازن في ذلك, وهي ليست حرة فيه, إنه وحي الوعي وتسلّطه وسيطرته.
لسنا أضحوكة، إلا إذا أخذنا الموضوع بحساسية بالغة.
نكون أضحوكة عندما تُمرَّر الأشياء عبرنا وكأننا شيء شفاف, شيء لا ممانعة له وهذا خطير.
حسنًا, تمرير الأشياء من خلالنا بمزاجنا الواعي أمر جيّد أحيانًا.
وبذكر المزاج, أعترف أنني مزاجي, ومزاجيتي هذه تقرر أشياء كثيرة
والوعي اللعين يجلعني لا أندم على ما تفعل مزاجيتي, على الأقل أحيانًا.
لا يمكنك أبدًا الوثوق بالوعي, أبدًا.. ما أن نسمح للثقة أن تنزرع بيننا وبين الوعي نكون انتهينا, هذه شهادة انتصار الوعي.
الوعي لا يثق بنا لهذا يشدُّ وثاقنا.
ونحن لا نريد من الأمر أن يتطوّر ويتحوّل إلى ” متلازمة ستوكهولم” !
لننظر قليلًا, إن هؤلاء البسطاء يجيدون تمامًا تمرير الأشياء فيهم, وبمزاجهم.
هم ليسوا أفضل, ولا بحال أحسن.. هم فقط استطاعوا تمرير الأشياء فيهم وأصبحوا شيئًا شفافًا لا معنى حقيقي له
وهذه الحالة هشّة وسريعة الإنكسار والتمزق.
إننا إذ نقرر مواجهة الوعي, فإننا نأخذ طريق وعر, ومظلم ولا يمكن للإنسان أن يسير فيه وحيدًا
على الإنسان أن يرافقه شيء, سواءً إنسان مثله أو أغنية أو حتى رقصة ولوحة وكتاب!
المهم في ذلك, أن هذا الوعي لا يجب أن ينتصر في النهاية
وحين نموت, وقبل الإغماضة الأخيرة (في حال متنا موتًا هادئًا كما أتمنى وأخاف)
ننظر إلى المدى المفتوح للأسئلة: هاك جسدي أيها الوعي.
وهنا نسلّم له الجسد بعد أن صمدنا ولم نجعل للوعي فرصة في اللذة, لذة الانتصار.
قد لا أكون أنا الذي أدخلتني في مواجهة كهذه, وبأعين مفتوحة باتّساع.
لمَ لا نكون في هذه المواجهة ولكننا كنا بحاجة إلى تنبيه بسيط؟ إشارة قدر؟
نحن في مواجهة الأشياء منذ البدء,
إنه ليس غرورًا شخصيًا ولا تحويلًا لشيء,
إنني أحاول فهم الصورة من الداخل, وربما كانت الأفكار خير سبيل
أعتقد أن الأمر جيّد, في حالة أن الآخرين ليسوا في صالحنا دومًا
الآخرون لا يصلحون لكل شيء, وبالأخص في هذا النوع من الصراعات
إنهم يخوضونها وحدهم, لا لشيء, إلا لأنهم غير قادرين على خوضها كمجموعات, الإنسان لا يجيد ذلك.
ومحاولة إدخالهم في هذا النوع من المواجهات يفشل بالضرورة لأن الوعي يدرك ذلك, ويحيط به علمًا.
الفكرة المخيفة هي فكرة تسيطر على الوعي فينا, والوعي فينا جزء من وعي العالم الذي يتحكم بنا وبالعالم
والوعي فينا يُقاد لا بواسطتنا بل بالوعي الأم, وهذا هو تكريس الرعب في الموضوع, في حالتنا هذه.
كيف وصلنا إلى أمور كهذه؟ كنا نحاول تبسيط/ الوصول إلى معنى واضح للوعي
ما الذي جعلنا نتعمق بهذا الشكل؟
لا يمكنك القول بأنني من أدخلك في مواجهة كهذه, لأننا أيضًا سبب في ذلك!
الأفكار عادةً تتشابك, وهي خطرة ومدمرة إذا تشابكت وأدت إلى نتيجة خاطئة, هذا مريع, لا أتصور ذلك.
ولكنني على الأقل أحمل أملًا بداخلي,
ولست أسودًا إلى هذا الحد.


النص عبارة عن مجموعة رسائل تم تجميعها.

لعلّنا في يومٍ كهذا، أن ننثر الورد على القصائد
لا بنفسجنا اليوم يكفي ولا شقائق النعمان
وإننا، في كلِّ مرَّةٍ نواجه الهزيمة، نتذكر حرب قلبك
وأتذكر ما يفعل قلبي بي.
سنعلّق كلماتنا على حبال الغسيل وعلى الحناجر
وسنلوّح بكلِّ المناديل التي كانت معك
وكلّ العيون، التي أسقطوها من جواز سفرك
ولعلّنا في يوم الخلودِ هذا، نغنّي نشيد البقاء
نحن الذين إذا ما أردنا تكريم القصيدة تغنّينا بها
وغيرنا حين يريد تكريم القصيدة:
يكتبها على حجرٍ يرميه في وجه دبابة
يكتبها على جدار بيته قبل أن تنسفه الطائرات
يكتبها على قميص الأمهات.

إننا ومع كلِّ ضعفنا وما نمرُّ بهِ من ألم، نتذكرك
لا لأنَّ الذكرى وجوب، بل لأن المقاومة مبدأ وغريزة
إنَّ هناك على أرضِ البرتقال ما سيجعلك سعيدًا محمود.
قريبًا نعصر الكرمة، ونحتفل بصدق النبوءة في الحلم وبأننا لم نخسر أحدنا منذ يومين.

نم يا حبيبي، عليك ضفائر الشعر، عليك السلام.

9 آب/أغسطس
ذكرى خلود محمود درويش.

عن سهر.

ليس للقائمين على السهر إلا الجوع والقصائد
وعلى مغنّي الليل أن يختار قطعة القصيدة بعناية،
بدقّةِ رسّام.
لم أكن سجين القصيدة، ولا حُرَّ الأغاني
كنتُ أدخّن، وأشرب، وأطلق صرخاتٍ متقطعة، وأضحك.
كنت على الصوفا، وكثيرًا ما أنسى نفسي عليها.
أكتب، وعلى الكلام أن ينساب كنهر، لكنه لا يفعل.
أقرأ وعلى الحروف أن تتحرك بخفّةٍ كراقصةِ باليه على شفتي، لكنها لا تفعل.
أعودُ إلى الشحوب، يختفي صوتي ولا أعود قادرًا على أن أغني اسمك، وأنسى اسمي، أنساهُ في ليلٍ بلا ذاكرة، اسمك الذاكرة، وجسدي خارطة المنفى، فتعالي.
ما أهمية الاسم؟ تقولين.
ولكنني اليوم أعبث في درج ذاكرتي عن أسماءٍ كثيرة لم تذهب إلى الهباء ولكن العمر ذهب، الذاكرةُ ذهبت، وأنا في الشحوب.
ألستَ سعيدًا وأنا معك؟ ترددين كطفلةٍ بريئة.
السعادة أبعد من ذلك وأعمق يا طفلتي، إن النهر سعيدٌ بجريانه، لكن الأحجار تمرُّ بطريقهِ كلَّ يوم.
إلى الأغاني والقصائد: عودي لي، أعيدي اسمي وذاكرتي.
إنني أدور أدور وأسقط، أترامى على الصوفا وأبتلع المهدئات، المهدئ طريقٌ قصير إلى الجنة، ينفتح وأنت في المنتصف لتسقط في الجحيم.
لا الغد واضحٌ كالعلم اللعين الكبير الذي يرفرف هناك، ولا يجيءُ صوتك كالضربة الواحدة التي تنهي كل شيء دفعةً واحدة.

قداسة!

قداسة الليل تحتّم علينا صمتًا خاشعًا
ولا ليل شاسعٌ في صيفٍ كهذا
ساعات الليل قصيرة, لا يمكنك إلا أن تقضيها في السهر
والسهر ليس إلا تكريسًا لقدسية الليل
كتبت أولى أغنياتي قبل هذا الليل بكثير
قلت حينها: “هل ترى أوراقي ورسائلي؟
لا! إنها لا تحترق, إنها يدي تحترق!”
لكنني أخطأت اللحن غير مرّة
كنت أبدأ عند الأصيل
لكنَّ الشمس تدرك خطاي في ليلٍ قصيرٍ كهذا
لا أعرف الكتابة في النهار
شيءٌ ما يجعل لهذا الليل قدسيّةً لعينة
وإننا في حال نظرنا فاحصين
فإننا نكتشف أن القداسة ليست إلا نبعًا منّا
قدّيسون! لكننا ومع صخب الحياة وسرعتها
لا نستطيع الحياة كقدّيسين لأنَّ القداسة ترافق البطء
والبطء لا حياة فيه
إننا إذ نقول بقدسيّة الليل, ليس هذا إلا هربًا من قدسيّةٍ فينا محتملة!
وددتُ لو عشتُ قدّسيًا لكنني لم أكن يومًا كذلك
وما هذه الأسئلة إلا نبعًا من ظلامٍ يتكشّف
يستحيلُ نورًا, والنور يسطع من جباهنا
إننا العتمة والنور, اليأس والأمل.
إننا نسيء استخدام عقولنا كثيرًا ولا مبرر لذلك
وما هذه الأسئلة إلا تحريرًا لعقلي
إنني إذ أقول ذلك فإنها محاولة مني لإستدراج الأسئلة
والأسئلة ليست هواية المحارب
إنني في صفٍّ المحاربين لكنني أفكّر
أتقدّم لا بالسيف بل بالفكرة
أطعن العتمة بالفكر لأحيلها نورًا وبصيرة
أشدُّ وثاق الإيمان بقلبي وأغنّي بتصوّفٍ وأقول: من خلق التساؤل خلق الإجابة
لكنَّ الإجابة ليست سهلة كالتساؤل
لهذا نذرت نفسي للأسئلة ولا سبيل لدي إلا في البحث عن اجاباتها
لست قدّيسًا ولا يائسًا
إنني أحاول أن أكون مستنيرًا
مفكّرًا
حرًّا.

Another day in paradise! – View on Path.

ولآخر سطر من هذه الرواية كنت أنتظر النهاية فعلًا, ولكن يبدو أن ليس هناك نهاية. فالنهاية هي أن تبدأ من جديد. ودومًا عليك أن تجد ما تفعله حتى وإن كنت لا تعرف ماهيّة هذا الشيء الذي تريد-يجب- أن تفعله.
الحديث عن رواية كهذه غير مجدي حقًّا لأولاءك الذين لم يقرأوا الرواية بعد, إذ أن الأحداث العجائبية فيها وكمية الغرابة والفلسفة والميتافيزيقيا التي بها تجعلك تسأل: ماذا بعد؟ تجعلك تسأل عن وجودك الحقيقي وأهمّيته, وهذا ما جعلني أحتار حقًّا وأقول لنفسي: ماذا لو صحوتُ يومًا ولم أجد شيئًا لأفعله؟
هذا حقًّا مروّع وغير وارد على البال, على الأقل في هذا الوقت.
أعطي هذه الرواية خمس علامات لأنها مشوّقة حتى آخر سطر من الغرابة. حتى آخر سطر من النقائض. حتى آخر رمق من الأسئلة المفتوحة على المدى اللامتناه.

الحب ليس قصيدةً حربيّة.

لا عبوديّة في الحب
ولا حبَّ في العبوديّة
تلك كانت كلماتُ الشاعرِ الذي مات عاشقًا، أو ثائرًا.
لم ينتزع قصيدته من غيمةٍ وقمر، بل من صرخةٍ استحالت حبرًا
كان يجلس وحيدًا بجانب المذياع الذي يذيع الموت والخراب: ياه، الإنسان لم يعد يهتم بشيء، إذ يستمع لكل أخبار الموت والخرائب ويذهب في المساء ليشرب مع أصدقائه ويتبادل معهم أحاديث الحب والإنتصارات!
كانت الحرب قاتمة ولا نتيجة واضحة لها:
كيف يمكن لهذه الأرض أن تحتمل؟
إنه الحب، إنه الورد.
أو لأن الإنسان تبلّد!
يغلق المذياع ويهاتف حبيبته: لنتناول العشاء اليوم؟
تقول الحبيبة: آسفة يا حبيبي، لديَّ ميعادٌ مهم، ماذا عن الغد؟
- الرب وحده يعلم عن الغد، لربما استحالت الأرض….
* أرجوك… لا تبدأ!
- حسنًا، إلى اللقاء.

يعيد تشغيل المذياع ليستمع إلى موجة الطرب ويكمل قصيدته عن الحب والحرب، يبعثها للمجلة، وينام على حزنه.

Making my day.

عن روح ضائعة.

هذا ما تبقى لي الآن بعد أن قمت بنقل كل كتبي لمنزلي الجديد. بماذا أبدأ؟ ملاحظة: درويش ومُنيف ليسا للقراءة، درويش لأنني أحفظ الجدارية وقرأتها كثيرًا، مُنيف لأنني أريد أن أخبئ هذا الوجع لوقتٍ لاحق! شكرًا.

درويش في جداريته يربط عدم الإحساس بخفة الأشياء وثقل الهواجس بالموت، وفيروز تزيح عنا ثقل الأشياء والهواجس بـ”مش فارقة معاي”.

أنت الآن فكرة، رصاصة أو مطاط، لا يهم!