لعلّنا في يومٍ كهذا، أن ننثر الورد على القصائد
لا بنفسجنا اليوم يكفي ولا شقائق النعمان
وإننا، في كلِّ مرَّةٍ نواجه الهزيمة، نتذكر حرب قلبك
وأتذكر ما يفعل قلبي بي.
سنعلّق كلماتنا على حبال الغسيل وعلى الحناجر
وسنلوّح بكلِّ المناديل التي كانت معك
وكلّ العيون، التي أسقطوها من جواز سفرك
ولعلّنا في يوم الخلودِ هذا، نغنّي نشيد البقاء
نحن الذين إذا ما أردنا تكريم القصيدة تغنّينا بها
وغيرنا حين يريد تكريم القصيدة:
يكتبها على حجرٍ يرميه في وجه دبابة
يكتبها على جدار بيته قبل أن تنسفه الطائرات
يكتبها على قميص الأمهات.

إننا ومع كلِّ ضعفنا وما نمرُّ بهِ من ألم، نتذكرك
لا لأنَّ الذكرى وجوب، بل لأن المقاومة مبدأ وغريزة
إنَّ هناك على أرضِ البرتقال ما سيجعلك سعيدًا محمود.
قريبًا نعصر الكرمة، ونحتفل بصدق النبوءة في الحلم وبأننا لم نخسر أحدنا منذ يومين.

نم يا حبيبي، عليك ضفائر الشعر، عليك السلام.

9 آب/أغسطس
ذكرى خلود محمود درويش.

عن سهر.

ليس للقائمين على السهر إلا الجوع والقصائد
وعلى مغنّي الليل أن يختار قطعة القصيدة بعناية،
بدقّةِ رسّام.
لم أكن سجين القصيدة، ولا حُرَّ الأغاني
كنتُ أدخّن، وأشرب، وأطلق صرخاتٍ متقطعة، وأضحك.
كنت على الصوفا، وكثيرًا ما أنسى نفسي عليها.
أكتب، وعلى الكلام أن ينساب كنهر، لكنه لا يفعل.
أقرأ وعلى الحروف أن تتحرك بخفّةٍ كراقصةِ باليه على شفتي، لكنها لا تفعل.
أعودُ إلى الشحوب، يختفي صوتي ولا أعود قادرًا على أن أغني اسمك، وأنسى اسمي، أنساهُ في ليلٍ بلا ذاكرة، اسمك الذاكرة، وجسدي خارطة المنفى، فتعالي.
ما أهمية الاسم؟ تقولين.
ولكنني اليوم أعبث في درج ذاكرتي عن أسماءٍ كثيرة لم تذهب إلى الهباء ولكن العمر ذهب، الذاكرةُ ذهبت، وأنا في الشحوب.
ألستَ سعيدًا وأنا معك؟ ترددين كطفلةٍ بريئة.
السعادة أبعد من ذلك وأعمق يا طفلتي، إن النهر سعيدٌ بجريانه، لكن الأحجار تمرُّ بطريقهِ كلَّ يوم.
إلى الأغاني والقصائد: عودي لي، أعيدي اسمي وذاكرتي.
إنني أدور أدور وأسقط، أترامى على الصوفا وأبتلع المهدئات، المهدئ طريقٌ قصير إلى الجنة، ينفتح وأنت في المنتصف لتسقط في الجحيم.
لا الغد واضحٌ كالعلم اللعين الكبير الذي يرفرف هناك، ولا يجيءُ صوتك كالضربة الواحدة التي تنهي كل شيء دفعةً واحدة.

قداسة!

قداسة الليل تحتّم علينا صمتًا خاشعًا
ولا ليل شاسعٌ في صيفٍ كهذا
ساعات الليل قصيرة, لا يمكنك إلا أن تقضيها في السهر
والسهر ليس إلا تكريسًا لقدسية الليل
كتبت أولى أغنياتي قبل هذا الليل بكثير
قلت حينها: “هل ترى أوراقي ورسائلي؟
لا! إنها لا تحترق, إنها يدي تحترق!”
لكنني أخطأت اللحن غير مرّة
كنت أبدأ عند الأصيل
لكنَّ الشمس تدرك خطاي في ليلٍ قصيرٍ كهذا
لا أعرف الكتابة في النهار
شيءٌ ما يجعل لهذا الليل قدسيّةً لعينة
وإننا في حال نظرنا فاحصين
فإننا نكتشف أن القداسة ليست إلا نبعًا منّا
قدّيسون! لكننا ومع صخب الحياة وسرعتها
لا نستطيع الحياة كقدّيسين لأنَّ القداسة ترافق البطء
والبطء لا حياة فيه
إننا إذ نقول بقدسيّة الليل, ليس هذا إلا هربًا من قدسيّةٍ فينا محتملة!
وددتُ لو عشتُ قدّسيًا لكنني لم أكن يومًا كذلك
وما هذه الأسئلة إلا نبعًا من ظلامٍ يتكشّف
يستحيلُ نورًا, والنور يسطع من جباهنا
إننا العتمة والنور, اليأس والأمل.
إننا نسيء استخدام عقولنا كثيرًا ولا مبرر لذلك
وما هذه الأسئلة إلا تحريرًا لعقلي
إنني إذ أقول ذلك فإنها محاولة مني لإستدراج الأسئلة
والأسئلة ليست هواية المحارب
إنني في صفٍّ المحاربين لكنني أفكّر
أتقدّم لا بالسيف بل بالفكرة
أطعن العتمة بالفكر لأحيلها نورًا وبصيرة
أشدُّ وثاق الإيمان بقلبي وأغنّي بتصوّفٍ وأقول: من خلق التساؤل خلق الإجابة
لكنَّ الإجابة ليست سهلة كالتساؤل
لهذا نذرت نفسي للأسئلة ولا سبيل لدي إلا في البحث عن اجاباتها
لست قدّيسًا ولا يائسًا
إنني أحاول أن أكون مستنيرًا
مفكّرًا
حرًّا.

Another day in paradise! – View on Path.

ولآخر سطر من هذه الرواية كنت أنتظر النهاية فعلًا, ولكن يبدو أن ليس هناك نهاية. فالنهاية هي أن تبدأ من جديد. ودومًا عليك أن تجد ما تفعله حتى وإن كنت لا تعرف ماهيّة هذا الشيء الذي تريد-يجب- أن تفعله.
الحديث عن رواية كهذه غير مجدي حقًّا لأولاءك الذين لم يقرأوا الرواية بعد, إذ أن الأحداث العجائبية فيها وكمية الغرابة والفلسفة والميتافيزيقيا التي بها تجعلك تسأل: ماذا بعد؟ تجعلك تسأل عن وجودك الحقيقي وأهمّيته, وهذا ما جعلني أحتار حقًّا وأقول لنفسي: ماذا لو صحوتُ يومًا ولم أجد شيئًا لأفعله؟
هذا حقًّا مروّع وغير وارد على البال, على الأقل في هذا الوقت.
أعطي هذه الرواية خمس علامات لأنها مشوّقة حتى آخر سطر من الغرابة. حتى آخر سطر من النقائض. حتى آخر رمق من الأسئلة المفتوحة على المدى اللامتناه.

الحب ليس قصيدةً حربيّة.

لا عبوديّة في الحب
ولا حبَّ في العبوديّة
تلك كانت كلماتُ الشاعرِ الذي مات عاشقًا، أو ثائرًا.
لم ينتزع قصيدته من غيمةٍ وقمر، بل من صرخةٍ استحالت حبرًا
كان يجلس وحيدًا بجانب المذياع الذي يذيع الموت والخراب: ياه، الإنسان لم يعد يهتم بشيء، إذ يستمع لكل أخبار الموت والخرائب ويذهب في المساء ليشرب مع أصدقائه ويتبادل معهم أحاديث الحب والإنتصارات!
كانت الحرب قاتمة ولا نتيجة واضحة لها:
كيف يمكن لهذه الأرض أن تحتمل؟
إنه الحب، إنه الورد.
أو لأن الإنسان تبلّد!
يغلق المذياع ويهاتف حبيبته: لنتناول العشاء اليوم؟
تقول الحبيبة: آسفة يا حبيبي، لديَّ ميعادٌ مهم، ماذا عن الغد؟
- الرب وحده يعلم عن الغد، لربما استحالت الأرض….
* أرجوك… لا تبدأ!
- حسنًا، إلى اللقاء.

يعيد تشغيل المذياع ليستمع إلى موجة الطرب ويكمل قصيدته عن الحب والحرب، يبعثها للمجلة، وينام على حزنه.

Making my day.

عن روح ضائعة.

هذا ما تبقى لي الآن بعد أن قمت بنقل كل كتبي لمنزلي الجديد. بماذا أبدأ؟ ملاحظة: درويش ومُنيف ليسا للقراءة، درويش لأنني أحفظ الجدارية وقرأتها كثيرًا، مُنيف لأنني أريد أن أخبئ هذا الوجع لوقتٍ لاحق! شكرًا.

درويش في جداريته يربط عدم الإحساس بخفة الأشياء وثقل الهواجس بالموت، وفيروز تزيح عنا ثقل الأشياء والهواجس بـ”مش فارقة معاي”.

أنت الآن فكرة، رصاصة أو مطاط، لا يهم!